02 novembre 2008
ثقـــــافة المـــوت
أكثرنا من ثقافة الموت قراءةً وتطبيقاً ومحاضرات ودروسا
نحن خُلقنا للحياة ولكننا حوّلنا حياتنا إلى الموت فغالب الخطب والدروس تتحدث عن الموت وتهمل الحياة
ولكن قبل أن نموت علينا أن نعيش وقبل أن نرحل علينـا أن نبني وأن نعمـر
وقبل أن نودّع الحياة علينا أن نترك أثرا جميلا وذكرا حسنا من عمل صالح وخُلُق نبيل ومشروع نافع وذرية طيّبة ومؤسسة رائدة وكتاب مفيد ونحو ذلك من صنوف البر والإحسان
إن الحياة في سبيل الله أعظم من الموت في سبيله؛ لأن الحياة في سبيله، سبحانه، طويلة وجميلة فيها علم وعمل، ومعتقد وأخلاق، وأخذ وعطاء، ودنيا وآخرة، وحقوق وواجبات
أما الموت فهو لحظة انتقال من الدنيا إلى الآخرة
إن كثيراً من الخطب تدعونا إلى ترك الدنيا واليأس والقنوط والإحباط فأصبح الناس لا يفكرون إلا في طريق التخلص من الحياة، وصار عندهم قناعة بأن هذه الحياة لا تستحق الاحتفاء والاهتمام بها
وتكونت لدى الكثير فكرة أنه لا داعي أن نعيش طويلا وأن الأفضل اختصار هذه الحياة والانتقال للآخرة
إن الأبرار، وعلى رأسهم رسول الهدى صلى الله عليه وسلم، بنوا الحياة وشادوا الحضارة وأسسوا القيم الراشدة وبنوا صروح المعرفة، من أرسل جيوش الفتوح تنشر العدل والأمن والإيمان في العالم؟
أما صار الخلفاء بعده يواصلون مسيرة الإعمار والبناء ونشر ثقافة الحب والسلام؟
فخلف من بعدهم خلف ضاقوا بالحياة وبأهلها لأمراضهم النفسية وعقدهم الروحية، فزهّدوا العالم في علمه، والمهندس في آلته، والنجار في فأسه، والمزارع في حقله، والطبيب في مشرطه، وأرادوا من الجميع أن يتركوا دورهم في الحياة ويلبسوا الأكفان استعداداً للموت
لا وألف لا.. سوف تكون الحياة أكثر جمالا من دون هؤلاء المنفرين القانطين المحبطين
إن الحياة في سبيل الله رسالة عظيمة ربّانيّة يتحول بها الإنسان من صفر لا قيمة له إلى رقم صعب له قيمته
فيصبح التاجر فرحاً مسروراً بتجارته المباركة حيث يأخذها من حلال ويصرفها في حلال
ويصبح الفلاح مغرداً منشداً في حقله؛ لأنه يعلم أنه مأجور من الله ومشكور من خلقه
ويصبح الأستاذ مستبشراً بفضل الله وهو يعلم أنه يُعلِّم جيلا ويثقف أمة ويهدي قلوباً
ويصبح الجندي مطمئناً لمهنته وهو يحمل بندقيّته يحرس بها الأمة ويحمي بها الوطن ويدافع عن المكاسب
أيها العلماء حببوا الحياة في سبيل الله للناس، ليشعر الإنسان أن لوجوده معنى، ولخلقه حكمة، ولحياته هدفا
حينها نترك حياةً جميلة وحضارةً مباركة كما تركها أجدادنا لنا
إن الذي يفكر كيف يموت سوف يقف نتاجه وينتهي إبداعه ويموت نفعه
أما الذي يفكر كيف يعيش فسوف يشرق كما تشرق الشمس، ويسطع كما يسطع الفجر، وينفع كما ينفع الغيث
والقرآن دعا إلى حياتين ومشهدين ومرحلتين للحياة في سبيل الله والموت في سبيل الله
(مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)
صدق الله العظيم.
الدكتور: عائض القرني
Commentaires
كلنا لها
لن يفوتني ابدا التعليق على احد مواضيع السيموس ولو كان بغير قلمه الرائع
ماتفكير العديدين بالموت الا خوفا منها وليس حبا فيها او زهدا في الدنيا , ولعلهم تناسوا ان رسول الله قد امرنا بمساواة العمل في دنيانا كما لأجل اخرتنا '' اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدا ; واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا ""
وهنا استحضر كلام احد الفلاسفة العظام , الذي اكيد انه من الجميل جدا ان نموت من اجل ما نحب , لكنه من الاجمل والافضل ان نحيا من اجلهم
وللحديث بقية
ملحوظة : لاتطل الغياب اخي ولا تحرمنا من جديدك دوما ;
دمت بود
سلامي
A: marrokia
شكراً على المرور الطيب وعلى الكلامات الجميلة.
وترقبي الجديد في العام الجديد ان شاء الله، لاني اعرف اني اطلت الغياب، لكن هناك اشياء اخرى يجب انهائها قبل التفرغ لمدونتي... وانت كذلك لا تحرمينا من جديدك، دمت في رعاية الله.
il a tout à fait raison ce mr(عائض القرني ).
Poster un commentaire
Rétroliens
URL pour faire un rétrolien vers ce message :
http://www.canalblog.com/cf/fe/tb/?bid=135496&pid=11198195
Liens vers des weblogs qui référencent ce message :

