وضعت آخر رشات عطرها الجديد على رقبتها و همت إلى انتشال حقيبتها الصغيرة من بين أكوام ملابسها المتناثرة على سريرها الصغير و بخطوات أنثى ذات إحساس مفرط بالنعومة بدأت تسرع الخطوات نحو الخارج. غزلان شابة في أواخر العشرينات، جميلة المظهر والقوام الرفيع.. عيناها العسليتين تأسر كل من ينظر إليها، فكل العيون تلاحقها، ورائحتها الزكية تلهب أنوف  الشباب، لتلاحق ظلها. أتمت تعليمها الجامعي وبعدها بدأت رحلة البحث عن وظيفة تؤمن لها ما كانت تحلم به. كان حلمها الكبير أن تقتني سيارة صغيرة ، وشقة في وسط المدينة، لكن الواقع شيء والحلم شيء آخر. حطت الرحال في آخر المطاف بشركة بأطراف المدينة، بعدما أن كانت تنتقل من شركة إلى أخرى. وقفت سيارة الأجرة، لتدخل غزلان داخلها. اليوم هي على موعد مع خطيبها عادل، فقد وعدها بتناول الغذاء معاً. ابتسمت وهي تنظر إلى اسم خطيبها على هاتفها المحمول، ليخبرها أنه قد يتأخر نصف ساعة. في يوم وليلة أغنية لمطربتها الفضلة، تبث على أثير الراديو، سمعتها وركنت نفسها إلى آخر ركن بزاوية سيارة الأجرة، حطت رأسها على جنبات الباب لترجع رأسها إلى الوراء، أول يوم سمعت فيه هذه الأغنية... لم تكن غزلان فتاة لعوب، لأنها دفنت نفسها بين الكتب، إلى أن تعرفت على حبها الأول وربما يكون الوحيد. استيقظت على صوت فرامل السيارة، فقد وصلت إلى وسط المدينة، تنحت منها ورفعت رأسها إلى الأمام، فكلها ثقة في نفسها وفي أناقتها، فهي تحب الأناقة والموضة، وربما لهذا تتعرض دائما إلى التحرش من قبل المارة، وكذلك من قبل مدرائها السابقين في العمل. بدأت تتمشى وعيناها ترصد المحلات التجارية، الملابس تغريها دائما، التي طالما حرمت منها في طفولتها، في المدرسة كانت تحس دائما بنقص أمام قريناتها، فملابسها كانت رثة... توقفت أمام المقهى، لتجلس في آخر ركن منها، طلبت فنجان شاي انجليزي وبدأت تستسلم إلى ذكريات  مع كل رشفة شاي وعيناها تجول حول المكان، لترى شابا يحملق فيها ويضحك وحركات يديه تلوح يمينا و شمالا. لم تعره انتباها واستسلمت إلى طعم الشاي والى ذكرياته. كان أسامة دائما يجبرها على شربه كلما دخلا إلى المقهى، وكان يقول لها بأنها سوف تتعود عليه، وهكذا دواليك أدمنت على الشاي. تنهدت وهي تتذكر شظايا من ذكرياتها مع أسامة، فهو الوحيد الذي غاص إلى خبايا حياتها الشخصية، فقد كان شمعة في حياتها، يضيئها بخفة دمه وحبه لها. تعرفت عليه في آخر سنتها الجامعية، لتتغير تلك الفتاة الخجول إلى فتاة تحب الحياة، أضاف شيئا جميلا إلى معالم حياتها وشخصيتها، وأول هدية قدمها لها، كانت وردة... إختلست نظرة على الشاب الذي أمامها، لتجده ما يزال يلاحقها بنظراته رغم النظارة الشمسية التي تحجب عينيه، تضايقت من هذه الوقاحة. أوطأت رأسها وتابعت شظايا الذكريات. أفاقت على صوت هاتفها، رسالة هاتفية من عادل وكلمة أحبك حبيبتي، لترسم ابتسامة على خديها وتتنهد في صمت. عادل شاب متفهم وحنون وهو الوحيد الذي انتشلها من حالة الضياع بعد خيبة الأمل مع أسامة. ربما طيبوبته ، بنيته الجسمية وجماله الهادئ، غيرت نظرة غزلان إلى الرجال، لتعود إلى بناء جسر الثقة مع الجنس الخشن... أحست بشيء يداعب شعرها، انتفضت من مكانها بخوف الأنوثة لتجد وردة حمراء وكلمات تأسف على التأخر.. عادل يعرف كيف يعبر عن شعوره وكيف يجعلها تضحك وكيف يخمد غضبها... جلس بمقابلها، لينخرط في أحاديث أهل الغرام  وعن الاستعداد للزواج، وهي تسمع بعينيها.. صوت صاخب يقاطع حديثهما الدافئ، فالشاب لازال ينظر إليها بكل وقاحة ويلوح بيده وسماعة في أذنيه، نظرت إليه بكل احتقار، نظرتها كانت كجرس إنذار إلى عادل، ليلتف ويرى الشاب وهو يبتسم وينظر إلى غزلان، لم يتمالك نفسه وقام مباشرة إليه، ليلكمه لكمتين على التوالي، فيغمى على الشاب، قامت من مكانها من شدة الخوف لتسحب عادل من المقهى إلى الخارج، وفي داخلها إحساس بالأمان فخطيبها يحبها ويخاف عليها من نسمة الريح. أمسكت يديه لتهدأ أعصابه بكلمات رقيقة نابعة من القلب، ليخمد البركان في جسم عادل، ولترد الابتسامة إلى وجه... تسارعت خطوات النادل نحو الشاب المغمى عليه، يحاول أن ينتشله من الأرضية، ونظرات احتقار  منصبة على عادل، الذي أدار ظهره وهم إلى الخروج من المقهى مع غزلان. نظرات استغراب من الزبائن على هذا الموقف الوحشي، ليزدادوا تعجباً عندما يسند النادل الشاب ليريه طريق الحمام، وهو يتمتم من ضربي ولماذا ؟؟؟ الشاب ضرير بكل بساطة، نظراته كانت عفويه في اتجاه المجهول و أياديه كانت ترقص على أنغام الموسيقى، هكذا كان يقتل الوحدة التي يشعر بها.

أكيد أن الحياة ليست كما تبدو، لا بالمظاهر ولا حتى بلغة العيون، داخل كل واحد منا تقبع أسئلة، ذكريات وأمنيات.. جدار البعد والهجر يرسم لوحات من تهيؤات لان الواقع شيء ثان، وكل نفس تخفي صور من ماضي وصور عن شخصيتنا الحقيقية، لتظلل من يرانا فالحياة ليست دائما كما تبدو...